Make your own free website on Tripod.com
 

قراءة في اعمل الفنان التشكيلي

خالد كودي

لا اطلب المستحيل ولكنه العدل

هل يرث الأرض إلا بنوها ...؟

وهل تتناسى البساتين من سكنوها ؟

وهل تتنكر اقصانها للجذور ... ؟

(لان لجزورتها جرفي الاتجاه المعاكس )

هل تترنم قيثارة الصمت ؟

إلا إذا عادت القوس تزرع أوتارها العصية

والصدر حتى متى أن يحبس القلب

قلبي الذي يشبه الطائر الدموي الشريد

 

أقول لكم : أيها الناس كونوا أناسا

هل النار وهى اللسان الذي يتكلم بالحق

إن الجروح يطهرها الكي ، والسيف يصقله الكير

والخبز ينضجه الوهج ...

لا تدخلوا معمدا نية النار

كونوا لها الحطب المشتهى والقلوب الحجارة

كونوا إلى أن تعود السماوات زرقاء

والصحراء بتولا ...

تعود إليها النجوم محملة بسلال الورود ...

 

أمل دنقل : أقوال جديدة عن حرب البسوس

مقطعان من ( أقوال اليمامة )

 

* من تجسيد مذبحة الكاودا ( في جبال النوبة ) ... إلى تعرية التاريخ وأبطاله الوهميين ... إلى معرض الجماجم الملونة ... وانتهاء بالرسم بالنار اكبر لوحة في التاريخ شغلت مساحة عدة ميادين في نيويورك ...

* يقف خالد كودي : الفنان التشكيلي السوداني على تل من الصمت المرعب الذي يلف حياتنا الثقافية ، يحمل سفوده وأزاميله ... يضرب هنا وهناك ، غير عابئ بما يحول دون المضئ قدما في مشروعه الفني حيث وهب حياته للفن وكما يقول : الفن وحده هو المنطقة المحرمة في حياته ولا يسمح لأحد بالمساس بها ... أو يراجعه عن مشاريعه الخطرة ...

انه يزاحم الأفق الثقافي الخامد بجراءة نادرة ... يستعصى على الاستئناس ... وهداة الفنان المقتدر فيه ... يضرب في العمق ... ويخرج إلى الناس من متكأه وهدفه ، لم تشوهه سنواته الاثنى عشر في المهجر ولم يخمد أوار ذاكرته البصرية ...

* أبصر ملوناته التجريدية الباهرة ، تلقاه خارجا من زخم عطاء الثمانينات في الحركة التشكيلية السودانية ، حيث تواصلت الأجيال وتصاعد نبض العطاء حتى تجاوز الروافد الثقافية الأخرى ولم يكن هذا الانقطاع المرعب ... والذاتية المفرطة ... وما نحن عليه الآن ... لم تخرج تجاربه عما أرساه الكبار رغم بعد المكان والزمان ... وهو على صهوة مشروعه الجامح ... يستبصر الغائب ... وينبش الماضي ... وتتوغل ذاكرته في الدساكر والقرى ، وملامح البسطاء من أهله ... يعطى ويسترسل في صمت ودون ضوضاء ... في معرضه (HISTORY AND MEMORY ) لا يتعامل مع الماضي بحيادية ... وإنما يجرده ، ويعريه ، ويضرب بأزاميله وفرشاته في مقتل، فلا ارض بازخة الخصب ... المبهرة الجمال ... تمايلت عليها منازلها بفعل عواصف الأحداث التاريخية ... فبدت الكمنجات المكسرة ... والجواميس الطائحة ... والمآذن المتهاوية ... وظلال الفرسان الذين جمحت جيادهم ... ومن ثم يمضى ليسيطر على العاصفة ، ويرسلها إلى النيل الطافح بالدم ... فهو لا يكتفي بدفع الماضي للحاضر... التاريخ للمستقبل ... بقدر ما يقذف بشواظ اللهب هنا وهناك ، منفلتا عن زمنه ومحيطه ... لا يريح ويستريح ومتى استراح الفنان ؟

* انه يرسل جديدا ، ويقفز عليه ... ليقدم لبنة مغايرة ... وسرعان  ما يجترح مغامرة جديدة ... وكل قفزاته تأخذ الأعصاب وطاقته ، وامكاناته .. فكم تكلف الفنان عشرات الجماجم ؟ وهو ينكفئ على أزميله ليخرج الجباه المحنية بالموت ... والأجفان المنحدرة إلى العدم ... انه ليشقي كثيرا ، ويرهق أعصابه وان استبصرنا رسالته جيدا خبرنا حجم معاناة الفنان في بلاد تكمم فيها الأفواه عن كلام الله المباح !!!

* انه يدفع بسلطة الفن ... لتنتصر على سلطة الاغتصاب نتاش الزعامات الزائفة ... ويجردها من قدسيتها المتوهمة ... في ( معرضه الأخير في بنسلفانيا ) وينزع عنهم المجد والسيادة حاملا مشعله منتصرا للحرية من جوف الظلام الحالك ... وهل لقدر الفنان ... إلا أن يضئ للآخرين !!!

* نساءه الملونات لسن مترفات ... ولسن اللواتي يطاوعن انفلات الفنان وريشته صوب الجمال وصولا للمطلق ، نسائه الملونات حاصدات محنة التاريخ ... يحملن على رؤوسهن النوارس ... وجرأت الماء ... واوانى الطحين ، وكل ما تفضئ إليه ماسي الوطن ... فهن الصامتات الحاملات ذنوب الآخرين ... وعليهن العبء الأكبر في استمرار الحياة ...

* نسائه متشحات السواد الذي لا يخلو من الحلم ... والعشم ... يشع هنا وهناك ببروق ملونه ... كالجر جار ... وثوب الزراق المهترئ ... خالد كودي لا يطرز لهن ورد ماء النيل ... وإنما يدفع بهن شاهدات على زمن المحنه وليقول إن كل ما يقذف به الأسياد والجنرالات يقع على رؤوسهن ... ولذا صرن قاسما مشتركا في كل أعماله !!!

* مذبحة الكاودا أو ( KAUDA   ) :

إنها صرخة في وادي الصمت ... هل هذا وطن أم مغارة لصوص ؟ فهو لا يوقظنا في مذبحة الكاودا وكفى ، ولكنه يقبض على أرواحنا ... من كثرة ما غاص بذاكرته البصرية بعيدا ...

تري الساق المبتورة تحت الجسد ...

جثة شيخ عجوز ...

جسد امرأة تقبض على بطنها ...

* تناثرة أجساد أهل  الكاودا في  المذبحة التي ارتكبها النظام الحاكم ... كواحدة من عدد مذابح في جبال النوبة ، غاص خالد كودي في خضم الفاجعة ، وامتد ينحت الصخر الأشهر الطوال في مرسمه في بوسطن يقظ الضمير ، متوهج الخيال ... يرتكز إلى التزام صارم ... ورؤية فكرية ناضجة ... وهو يعرى زيف الأنبياء الجدد ... ويرمى بغالبية المثقفين ( إن صحت التسمية ) في وحل الفضيحة !!!

* فان لم يكن المشاهد يحمل قدرا من طاقات الفنان ورؤاه ... التزامه ومفاهيمه للفن ... دوره ومنتهاه ... سوف يرى في الكاودا صراخا سياسيا مفضوحا ... ولن يرضى عنه مرتكبوه ( بالطبع ) ، وسيرى آخرون انه خارج نطاق ( ستر عورتنا ) لكنه الفن الحقيقي ... الذي يخترق الحصون دون أدوات عدا الريشة والأزميل ... ففيما الدربكة والبحث عن وسيلة لاغتيال الفنان ... والمنى بان يحمل أزميله ويرحل ...

* انه ليستدعى الأجساد التي انتهكت قدسيتها ... ويجعلها رهينة أزميله ... يقبض على جمرها وحرارة أنفاسها كان روحه امتزجت بأرواحهم الصاعدة إلى الخلود ... ينطفئ طويلا على الأيدي المكبلة والأعين المعصوبة ... وملامح الوجوه ... وهى تدخل مدار الخلاص ... وجوه لا تعرف كنهها ، ولكنها وجوه سودانية لحما ودما ...

* كاودا ... التماثيل التي تجسد المذبحة ... تقض المضاجع وترمى بنا في وحل الفضيحة ... إنها الرمز للذين احترقت قراهم ... ورمى بهم وسط صحراء العتمور ... وسط الرمال الملتهبة والعطش القاتل ... وطمرهم النسيان ... انه يتجاوز المسكوت عنه ليرمى القتلة بغيبة الضمير الوطني ...

* أنجز خالد كودي عام 2001 معرضا آخر من ذات الفصيل الذي لا يرضى عنه قطاع عريض ممن يكفون أبصارهم ويديرون وجوههم للملهاة السودانية على حد زعم البعض ... فقد انكفئ الأشهر الطوال ينحت الجماجم ، امتدت على أرضية المعرض صفوف ... صفوف ... حملها إلى ميتشجان إبان انعقاد مؤتمر جمعية الدراسات السودانية ... حملها على ظهره كصخرة سيفر يف ... جماجم صفراء ... وجماجم خضراء ... وجماجم حمراء وليزيد من عمق الملهاة نثر علم الوطن حول الجماجم ... قماش باهت الألوان رمى على ارض المعرض وكأنه يطرح السؤال ؟؟؟ بلاد من هذه ؟؟؟ إذا ما كان بسطاء الناس الذين لا يعرفون عن الدولة التي ينتمون إليها إلا القنابل التي ترمى بها طائرات اليوشن والسيخوى ...

* خالد كودي  يتوخى في كل أعماله الصدمات الصاعقة ... والضربات الفجائية لقطاع المتعلمين و ( المثقفين ) !! وهم الذين يفلتون من المذابح ونيران الحروب ... يصنعونها ويتحمل وزرها البسطاء !!

* اكبر لوحة في التاريخ :

اختير خالد  كودي ضمن ثلاثين فنانا من أرجاء العالم المختلفة للمشاركة ضمن أل  ARTISTES COLLNY  ( مستعمرة الفنانين ) في نيويورك ، خلال شهر يوليو الماضي ولمدة ثلاثة أسابيع ... الفنانون بحلهم وترحالهم ، ولكن خالد ذهب وهو يحمل سفوده !!!!!! وهذه المرة دخل ( معمدا نية النار ) وقرر أن يرسم بها ، فالملتقى هو حلم كل فنان حيث توفر له إدارة الموقع كل ما تشتهى الأنفس ... ولكنه اختار النار !!! فانكفئ على عدة ميادين خضراء ووفروا له عدد من المساعدين ... وأدوات الرسم أو ( الحريق ) فقضى أياما ملتهبة في صيف أمريكا الحارق ... وبدلا  من منتجع الرسم ، يقول : انه استخدم عناصر ( النار والرماد والخضرة ) والتحولات التي يحدثها الحريق في إنشاء قرية سودانية ، مرتكزا إلى فكرة ( الخصب والنماء ) التي تطلق من حرق المزارع في قرانا في عمليات الإخصاب بدلا من التسيد ... وهو طقس سوداني ينطوي على النفير ... والمشاركة والتكافل ... حيث يتنقل المزارعين بين بعضهم البعض قبيل موسم الزراعة  ... من خلال هذا الطقس ، رأى إن النار عنصر خلاق من عناصر الطبيعة التي تجلب الخصب والنماء ...

* رسم خالد كودي القرية ببيوتها ( وقطا طيها ) ونخيلها ودوابها وأشجارها وبدت الطيور والتماسيح تأخذ أشكالا أسطورية كما تبدى لي ... ولكنه قد يكون مستبطنا في المخيلة أو الذاكرة البصرية ...

* ويقول : إن النار التي يشعلها الطواغيت ... لا تعنى نهاية الحياة ... أردت أن أقول إنها ميلاد جديد للحياة ... فالأوطان تمضى إلى الخصب والعطاء مجددا ... فكلما مرت عليها عاديات الزمن فهي تنجب المعالي مجددا ... ولذا فمن الممكن تحويل النار لأداة إبداع وخلق !!!

* وتدخل في العمل العديد من العناصر ، عنصر الزمن أو البعد الرابع ... كما يقول ... عنصر رئيسي وحاضر في هذه القرية السودانية ... فبمروره تحدث تحولات طبيعية ... إذ يكتسب الحقل تحولات في الألوان فمن الأسود الفاحم ... إلى البني ... فالرمادي ... وحتى عودة الأخضر ... وكذا أيضا في عودة الحشائش أكثر عافية !! فمن العدم ... والى الحياة مجددا ... تتمرحل عمليات الخلق ... فالزمن لا يتوقف ، والتغيير قائم طالما ظلت الحياة مستمرة ... وعنصر المكان أيضا ... كما يقول ... يتغير بتغير موقع الرؤية البصرية فالميادين التي رسمت فيها اللوحة تتفاوت تضاريسها ... ارتفاعا وانخفاضا ، واستواء ... ولذا تتغير الرؤية البصرية لجوانب اللوحة حسبما يكون موقع المشاهد ... وهذه التغيرات في الرؤية ... تقترح امكانات مشاهدة متعددة وتخلق مستويات جديدة للرؤية البصرية ...

إذنا اللوحة تتحرك في الزمان والمكان ...

وكذا تحدث فيها تحولات من الاحتراق للميلاد ...

* وهكذا يطلق خالد كودي رؤى فنية جديدة ، أحدثت دويا وسط الفنانين الذين قدموا من أنحاء العالم والذين زاملوه في المستعمرة ، ورأت الإدارة أن توثق هذا العمل بشكل جيد فاستحضرت طائرة هيلكوبتر قامت بتصويره ، وكذا عند اكتمال المشروع أبرزته صحيفة ( REGESTER STAR ) التي تصدر في نيويورك في صفحتها الأولى لتعلن عن ميلاد اكبر لوحة في التاريخ .

* لقد شغلت النار الفلاسفة القدماء ردحا من الزمان ، حتى دخلت كعنصر رابع من عناصر ( اللوقوس ) ... باعث الحياة ، كان ذلك أوان حيرة الإنسان ، وبحثه في الميتافيزيقيا فقالوا إن الماء والهواء والصلب ( التراب ) والنار هي العناصر الأربع التي تتوالد منها الحياة ...

* أما نار خالد كودي فهي تحتاج إلى فلاسفة الفن ليقوموها ويعطوننا المغزى من وراءها

 

إبراهيم على إبراهيم

صحفي سوداني مقيم

في الولايات المتحدة